لأوّلِ وهلة سمعتُ باسم هذهِ الرّواية، وجدتُ نفسي منساقاً إلى المكتبةِ لاقتنائها، ليسَ لأنني تنبأتُ بما فيها فحسب؛ بل لأنّني أعايشُ في هذا الزمان الصّعب، صوراً خادعة هنا وهناك، ويبرزُ علينا في كلّ مساء صورة جديدة لرمز وأخٍ كنّا نحسبهُ لا يلجُ تلك الأغوار المظلمة، ولا يدخل تلك الدهاليز الشائكة! إنها والله سنواتٌ خدّاعات، كما قال ذلك رسول الأنام – صلواتُ ربي وسلامهُ عليه – .
جميلةٌ ورشيقة، تتجددُ كلّ مئة، تحملُ في جوهرها معاني الصّفاء والنّقاء، لم يتمكّن العابثونَ من تشويهها بقطعِ أغصانها، أو إضافة ما هو جديدٍ إليها. بهذهِ الكلماتِ الرشيقات ابتدأ الروائيّ روايته بالحديثِ عن هذا الدين الإسلاميّ العظيم، مبيناً متانتها وعظمتها، وأنّ في الانتساب إليها كل الفخرَ، وأنّ في الحيدِ عن سبيلها كل المهانة والضعة، وقد عنونَ لها بـ”رحلوا عنها، فتعافت!”.
بعد مقدّمتهِ البهيّة، دلف الروائيّ إلى أولى فصولِ روايته: (حياة الشيخ عبدالله 1447ه)، ليحكيَ لنا سيرة ناصعة من حياةِ رجلٍ تقيّ، لم تعصف به رياح التيّارات، ولم تغره مظهر الرويبضات، حياة مليئة بالعلم والعملِ والدّعوة، وتربية الأسْرة على معاني الإيمان والخير والقدوة، حتى جاء ذلك اليوم الذي أدخل فيهِ إلى المشفى؛ فرأى صديقاً قديماً له قد استضافته قناة Emm آلَ إلى عاقبةٍ وخيمة، واستطال لسانه في الشرع والقدر، وحكم على ماضيه الطيب مع الشيخ (ابن عصيفير) بالظلاميّة والتشدد والقهر، وكانت هنا بداية الحكايةِ، ونقطة السّرد لقضيّة بطل الرواية (محجوب الحيران).
في الفصل الثاني (مرحلة التكوين) يحكي الشيخ عبد الله لأبنائهِ الطيبين ابتداءَ حياةِ (محجوب الحيران) في العلم والمعرفة، وابتداء تحصيله العلوم معه ومع شيخه (ابن عصيفير)، ليعرّج بعدها على أولى مفاصل حياته، وبداية الصدماتِ المعرفيّة لمحجوبٍ وهي مسألة (مراتب إنكار المنكر) إذ يرى محجوبٌ بتأكيد الإنكار، والتغيير باليد دون ضوابطٍ أوشروط! وهكذا بدأت مزالقُ الشاب محجوبٍ تتوالى بالإعجاب بنفسه وعقلهِ بعد نقاش مع شيعيّ، ثم كذبه بعد ذلك وتزوير حقائق المناقشات على شيخه (ابن عصيفير).
في الفصل الثالث (مرحلة التشدّد فالانعزال) تتواصل حِلَق الظلام بالشابّ محجوبٍ لتُوقعهُ في شرَكِ الانعزال عن الناس والمجتمع في القرية، وتحريم كل ما وردَ إلينا من الكفّار دونَ تمحيصٍ أو نظر، وعدم قبول الحوار والمناظرة في هذه المسائل، مع الاكتفاء في أسلوب العيشِ ببيت طين قديمٍ، وبناقةٍ ذات رغاء، ومكتبةٍ بالية تحوي كتباً شتى.
تطوّرت الأمور بمحجوبٍ الحيران في بيئته تلك إلى تكوين مجموعةِ طلبةٍ يدرسون عليه، نظراً لسمعته الدينية الطيبة، ودراسته السّابقة على يد الشيخ (ابن عصيفير)، وكان من آخر أمرهم إيداعهم السّجن جميعاً، بسبب افتياتهم وإحراقهم محلات أشرطة الغناء والطرب من لدن أنفسهم!
يدخلُ في الخطّ الآخر صديق الشيخ عبد الله (إبراهيم الخدران)، معاوداً وصالَ شيخه، ومعرّفاً عن علاقته بمحجوب الحيران كمتأثر ومتلقٍ لأفكارهِ التنويريّة!
في الفصلِ الرّابع: (مرحلة الانقلاب والهلاميّة مصحوبةً بأضواءِ الشّهرة) تظهر حبكة الرواية، وتحل عُقدتها بعرض شبه العصرانيين وبعض الليبراليين والديموقراطيين، مع تفنيدها ووضعها في ميزانها الصحيح، في جوّ نقاشيّ ماتع، وتداولٍ معرفيّ جميل، تمدّ القارئ بفهمٍ واسعٍ عن سماتِ المتحوّلين (رجيع الصّحوة)، وكيف تمّ استغلالهم من أصحاب النفوذ وأرباب الأفكار الجائرة.
بعد هذه القراءة السّريعة في تقسيماتِ وفصول الرواية، يجدرُ بنا أن نلقي الضوءَ على أهمّ ملامح جماليّة الرواية، ومنها:
* الرواية تميّزت بالعرض العلميّ الرصين، والسرد الشرعيّ المتين في عددٍ من المسائل والتساؤلاتِ التي يكثر الدندنة حولها لدى فئامٍ من الشباب، وهذه – بنظري – عُمق رساليّ لكاتب سطور هذه الرواية البارعة.
* كذلك تميّزت الرواية برمزية عجيبة في اختيار شخوصها وأبطالها، ممّا يجعلُ القارئ يفهمُ أبعادَ الرواية ومراميها البعيدة، ويكفيك أن تقرأ في أسماء شخوصها ( الشيخ ابن عصيفير، إبراهيم الخدران، مسلم العُوَادي، كردي الزبيل).
* السّرد الروائي مليء بالسمات الأخلاقيّة الرفيعة، وبالقيم الإسلاميّة العالية، وهي إشاراتٌ في خضمّ السجال الفكري، وعراك الساحة الثقافيّة بلزوم العدلِ والإنصاف، والتزام الخُلق، ورحمة الخَلق.
*الأهميّة المرحليّة للرواية من خلال بُعدي الزمان والمكان أضفى على الرواية جمالاً آخر، وحقيقٌ على المهتمّين في السّاحة الشرعيّة دفع مثل هذه الأقلام لكتاباتٍ رصينة كهذه، إذ المقالات والمقاطع (اليوتيوبيّة) وحدها لا تكفي في دحض كل الشبه الخطافة لجيل الشباب القادم، وأنا على يقينٍ بأن المهتمّين في السجال الشرعي والفكري في هذا البلد، لديهم عشراتِ القصص والوقائع عن طوامّ التنويريين والليبراليين، وبإمكانهم كتابتها وتسطيرها في قالب روايةِ أو سرد قصصيّ، مدافعة لسوق رواياتهم العفنة، وتأريخاً لهذه المرحلة الحرجة، وقبل ذلك إعذاراً إلى الله ببذلِ كل الوسع والطاقة في تبيين الزيغ والانحراف، والله وحدهُ المستعان، والحمد لله ربّ العالمين.
الرواية من القطع المتوسط (نصف ورقة)، تقع في (272) صفحة، إصدار دار الصميعي للنشر والتوزيع – 1433هـ
وهذا رابط فيديو تعريفيّ بالرواية : http://www.youtube.com/watch?v=dyepoiNDUic



