قصّة كتاب ابنة السّلطان .. وأنصافُ الفرص

أغسطس 10, 2015

دهشت قبل مدّة وأنا أشاهد الإعلاميّ / فتحي شمسِ الدّين – يعمل في بي بي سي – ، في حـــوارٍ على منصة (سنابشات) مع الإعلامي/ بدر آل زيدان، وقد تطرّقا لمواضيع تتعلق بشخصيّة بدر، وبعضاً من انتاجه على الصّعيد الإعلامي والاجتماعي.

ولأن (فاقد الدهشة كائن ميّت) كما يقول عبده خال؛ فإن المُدهش لي في اللقاء، أنني لا أعرف من قبل من يكون بدر هذا، – وعدم معرفتي به لا يضرني ولا يضرّه – وليس عندي أدنى معلومة عن عطائهِ ومنابره الإعلاميّة؛ لكنّ الصورة المتكونة في ذهني عنه سلبيّ تماماً ممّا سمعته عن شخصه وسلوكه بشكلٍ عابر.

في تلك اللقاء العفويّ، تكونت لدي انطباعاتٌ شخصيّة غير حاضرة سابقاً، وشعرتُ أنّ الرجل مظلومٌ في بعض الأحكام الكليّة عنه، وأنّ أجزاء جميلة في ذاته وعقله مجهولة لدى كثيرين.

الرّجل ذكي جداً، ولم يتوصّل إلى كثيرٍ من أحلامهِ وأمنياتهِ إلا بذكاءٍ حاد – ما شاء الله عليه – ثم بعملٍ وجهدٍ كبيرٍ على نفسهِ. وهكذا كلّ الأحلام والمنى العظيمة، لابدّ لها من تخطيطٍ ذكيّ، وعمل دءوب.

وأيضاً لحظت في ثنايا لقائه ذاك، بساطته وسعة صدرهِ للناس، وقبول اختلافهم واختلاقهم عليهِ، وأنّه مسامحٌ لكلّ من أخطأ في حقه!

وأخيــراً: عجبتُ من قصّة ترويجِ كتابه: (ابنة السلطان) الذي جمع فيه خواطره وتغريداته، وأنه تجرأ أولاً باقتحام باب تأليف الكُتب، مع عدم شهرتهِ بالكتابة، ومضى في ذلك قُدماً باستغلالِ نصف الفرصة وهو وجود (الكتاب الجاهز) بنجاحِ تسويقهِ وبيعه، حيث يقول: اهتممتُ بموضوع تسويق الكتابِ بطريقتين، الأولى: في اختيارِ عنوان صادم وغير مألوف في جمع الخواطر(ابنة السلطان)، الثانية: بجعل الجماهير مساهمة في الدعاية للكتاب من خلال آلية النقد اللاذع لشخصه وكتابه، واستخدم الجماهير من خلال (يوزر وهمي في تويتر)، وقام بتصوير أجزاء ليست من الكتاب، على أنها جزء من الكتاب، ونجحَ في التسويق لكتابهِ بهذه الطريقة التي لا يقدر عليها شابّ في مثل عمره، واحتمل أذىً صنعه لنفسه من أجل بناء مجده.

المقصود من التدوينة ليس مدحاً في بدر، ولا الموافقة على أطروحاته الإعلاميّة ومنشوراته، ولا تزكيته. وإنّما كتابة لِبعض ثنايا لقاءٍ مُدهِش – بالنسبة لي على الأقل – في العمل على الذاتِ عملاً مستمراً، بصبر طويل، واحتمالٍ كبير؛ كي يبلغ المرء ذرَى النجَاح – بحسب تعاريف الناس المختلفة للنجاح – ، وأن النجاح ليس إلا استغلالاً لأنصافِ الفرص، وأجزاء الحُلول، وأبعاضِ التجارب.

أريدُ أن ألتقط صورة

أغسطس 5, 2015

401621women

قبل أيامٍ، عندما كان الرحّالة السعوديّ الشاب / عبدالله الجمعة بدولة (سنغافورة)، لفت نظري عبارة قالها سريعاً بعد تجربة السباحة في “المسبح اللانهائي” (ياخي سبحت في هالمكان، بس ما أحس إني استمتعت؛ فقط من أجل إني أقول رحت لهالمسبح، لو كنت طالع مع اخوياي باستراحة يمكن يكون أكثر متعة) !!

السؤالُ الذي يردُ بقوّة هُنا: هل نحنُ نعيش اللحظة؟ أم نكتفي بتوثيقها؟ أم أننا قادرون على معايشتها مع توثيقها؟!

الصورة  قصيدة بلا كلمات، وحكاية دون سرد، تحبس شيئاً من الزمن في لقطة، وتثير الحنين لماضٍ لا يعود! ولكن انتبه! هذا لا ينطبقُ على كلّ صورة، لا يتماشى أيضاً مع التصوير اليومي الحاصل الآن في الشبكاتِ الاجتماعيّة

هوس التصويرِ لكلّ شيء بدا حاضراً وبقوّة في أزماننا هذه، غيرَ أنها لم تزدْ من سعادتنا، كنت أظنّ أن الصور تعبيرٌ عن الفرح، أتذكر يوم كنا صغاراً نقول لبعضنا: ابتسم للكاميرا .. !

أخذ التصويرُ أشكالاً متعدّداً، وبرامج مختلفة، بدء من المواقع المتخصصة ك “فيلكر” وليس نهاية بالتصوير الواقعي اليومي ك “سناب شات”.

قال لي صديقي ذات مرّة: أريدُ أماكن جيّدة للتصوير، كان ينوي نقل يومي معه إلى أصدقائهِ عبر الـ “سناب شات” دللته على بعض الأماكن، ويبدو أنه كان مسروراً بتغطيته، وددتُ أن أطرح عليه سؤالاً مفاده: هل عايشت السعادة في هذه اللحظات؟ أم أن سعادتك في توثيقها؟

يفتقد المهووس بتصويرِ لحظاته، معايشة اللحظة الراهنة والفرح بها، ويفتقد كذلك إلى السعادة الخاصة بمن معه في لحظاته تلك، لأنه حاول ترحيل سعادته إلى المتابعين عبر حساباته على الشبكات الاجتماعية.

ثمة خوفٍ على مستقبل ذكرياتنا، على بقايا الصور المحفوظة في ذاكرتنا المهترئة بالتوثيق اليومي  .. كنا لقلة احتفاظنا بمصوراتنا، نعرف للصورة موقعها، ونحس بوجدانها ولحظاتها الماتعة، والآن لا نملك شيئاً من هذا؛ لأن الصور المكررة محَت كل أثر جميل.

وأين السّعادة التي ننشدها في واقعنا، وقد بعثرناها وشتتناها بالتصوير، وإدخال الصوت والصورة (والفيديو) فيما يستحق وما لا يستحق، حتى غدت حياتنا مزيفة، نتصنّع الشيء، ونتكلّف الأمر، وكأننا حققنا كل ما نصبو إليه، وبلغنا في الشهرة ذراها.

قرأت خبراً في جريدة الدستور، عن المراسل: محمود نبيل “أكد خبراء أن انشغال الناس بتصوير اللحظات الغريبة أو السعيدة، يفسد عليهم إمكانية عيشها. وبحسب صحيفة “ديلي ميل” البريطانية، فإن خبراء في علم النفس حذروا من تلك الظاهرة، واصفين إياها بنوع من الخسارة. وأشار الخبراء إلى أن الانشغال بتصوير الأحداث يفقد الإنسان لذة العيش فيها، وهو ما يؤثر على الشعور الداخلي للإنسان.

هناك مقولة مشتهرة متداولة – لم أعثر على قائلها – :” كنا نعيش أجمل اللحظات بدون أن نوثقها، وأصبحنا الآن نوثق أجمل اللحظات بدون أن نعيشها!”

ألا من عودة إلى “السلوك الأخلاقي” الذي يجلب السعادة، ويرشد استخدام الكاميرا في (المجتمع القِيَمي)، ويحترم خصوصيات الناس، ويحث على بث الوعي والسلوك القويم لا (نشر الغسيل)، ولا الهرج الفاضي!