قصّة نجَـــــاحٍ تعليميّ .. فكرةٌ مُلهمَة

يونيو 18, 2017

Low-Classroom_Traditional_Introduction-Banner

قبل أيّامٍ طرح علينا مديرنا العزيز، الأستاذ: عبد العزيز بن علي الصبي، فكرةً لاقت في نفسي قبولاً، وفي صدري انشراحاً، وكانت الفكرة تتمحور حولَ: ماذا لو كتب كلّ معلّم قصة نجاحٍ تعليمي، يرى فيها إنجازه، ويقيّم فيها نفسه ذاتياً.

وبالطبع .. لم تكن هذه أولى الأفكار الملهمة من أستاذنا المُلهم؛ فمن أوّلِ لقاءٍ جماهيريّ به، كان يبعث لنا رسائل الإلهام والتغيير، ومن ذلك: في التعريفِ عن نفسه ومراحل عمله، قال: … بعد الاستقالة من هذهِ الإدارة التعليمية؛ سيستقيلُ من أعمالهِ كلها، ويكون متفرغاً للتأليف”!

 وهذا التخطيط المستقبليّ أساسُ النجاح، وبوصلة الوصول إلى الأحلام.

وأيضاً .. أتذكرُ أنه قال لنا: سأسألك أيّها المُعلم حينما أقابلك عن هدفك، عن ماهيّة طموحك، وأرجو أن تكون جاهزاً لهذا السؤال، وكان هذا بالنسبة لي إلهاماً في توجيه أفكاري نحو أهدافي الحقيقيّة من وراء التدريس والتعليم، وبدأت أستظهرُ فكرتي ورؤيتي في التعليم أمام عيناي.

أعودُ إلى قصّة النجاح التعليمي لي في هذه السّنة، متذكراً بعض المواقفِ والشوارد؛ علّها تكون دافعاً لي على بذل المزيد من الجهد، ومحفزاً لغيري على العملِ في تغذية عقول أجيالِ هذه الأمّة المباركة.

حين فكّرتُ أول ما فكرت في العنوان، وجدتني أنساقُ إلى ذكرياتي مع فصل التحفيظ (5/ أ )، هذا الفصل الذي وجدت أول أيامي معهم في بداية العام الدراسيّ صعوبةً وإرهاقاً؛ نظيرَ اختلاف طريقة تدريسي عن معلم السنة التي قبلها؛ إذ كنتُ صارماً في ضبط المحفوظ وإتقانه، محاولة مني لسلوك الجادة، ومن ثمّ الإتيانُ بالرقائقِ، والحلويات، والترفيه. عددٌ لا بأس به من الطلابِ أسرّ إليّ بصعوبة التكيّف مع الوضع الحالي، وكنت أعلم في قرارة  نفسي أنّ هذه سحابة صيف وستنقشع، لم يدم الحالُ طويلاً كما توقّعت.. في نهاية العام، كنت المعلم الأول لهؤلاء الطلاب، كل واحدٍ منهم يبادلني ابتسامة وتحيّة الصّباح. كانوا يطلبونني بالاسم في حصصِ فراغهم، كانوا يصرخون استياء من انتهاء وقتِ الحصّة كي لا أخرج من عندهم، كانوا أكثر من طلاب، كانوا أبناء أفتخرُ بتدريسهم وتعليمهم والاستفادة منهم.

الطالب/ خالد، كان مجتهداً طوال العام، ونائباً لعريف الفصل، يحفظ المقطع بامتياز، ويعتني بكلام المعلّم، يعتذرُ حين يخطئ، سريع الدمعَة، مشرق البسمَة، يُناقشني ويُحادثني، حتى انتهى العام .. ذكرتُ له مسابقةً قرآنيّة في الحي الذي أسكنُ فيه، جاء مع أبيه وسجّل، دخل الاختبار واجتاز بامتياز، في يوم الحفل قرأ خالدٌ أمام جمهور الحفل الغفير، فخورٌ بالتلميذ النبيل خالد.

الطالب/ عبد الإله، يعاني بعض المتاعب والآلام، يراجع المستشفى، ويتلقّى عناية فائقة من أمه الرءوم، بداية العامِ كان حفظه غير متقن، مشاعرهُ ليست طيّبة، وفي آخر شهرين من العام كان يأخذ كل يوم (ممتاز)، تغير  (180 درجة) يقرأ القرآن من تلقاء نفسَه، ويبتسم كل حينٍ، فخورٌ بالعمل الذي صنعته مع عبد الإله البطل، الذي يتغلبُ على متاعب جسده بعظيم همّته.

الطالب/ البراء، طالبٌ لطيف، صاحبُ نكتة حاضرة، وظرافة بريئة، يحفظ بصعوبة أحياناُ، ويتقدم على المنهج حفظاً أحايين أخرى، ثم بدأ يستقيم حفظه ويستوي إتقانه حتى انتهى العام .. في يوم اجتماع الآباء أسرّ لي والده:  البراء لا يكادُ ينام دون حفظ مقرّره، وأنه من تلقاء نفسِه يطلب تلقينه وإقراءه دون أن نأمره نحن، ولربّما قام في منتصف الليل يُراجع محفوظه للصباح .. أخبرني يا أستاذ محمد: ماذا صنعت مع الابن كي يفعل كل هذا؟ فخورٌ بالبراء أيّما فخر.

هذه ثلاث قصص عابراتٍ، كتبتها بمدادِ الإلهام والأثر، وضعفها في سطور القلبِ منسوج. كنتُ سعيداً بطلابي، فخور بعملهم واجتهادهم، وفخورٌ بتعاطيهم معي قواعد التعلّم والحياة، كنا نتعلم للعلمِ والمتعةِ، والحياةِ والتجربة، كنا نلحظ تطوّر العقل ونشوءه، كنا نبني ذواتنا يوماً بعد يوم.

Advertisements

قصّة كتاب ابنة السّلطان .. وأنصافُ الفرص

أغسطس 10, 2015

دهشت قبل مدّة وأنا أشاهد الإعلاميّ / فتحي شمسِ الدّين – يعمل في بي بي سي – ، في حـــوارٍ على منصة (سنابشات) مع الإعلامي/ بدر آل زيدان، وقد تطرّقا لمواضيع تتعلق بشخصيّة بدر، وبعضاً من انتاجه على الصّعيد الإعلامي والاجتماعي.

ولأن (فاقد الدهشة كائن ميّت) كما يقول عبده خال؛ فإن المُدهش لي في اللقاء، أنني لا أعرف من قبل من يكون بدر هذا، – وعدم معرفتي به لا يضرني ولا يضرّه – وليس عندي أدنى معلومة عن عطائهِ ومنابره الإعلاميّة؛ لكنّ الصورة المتكونة في ذهني عنه سلبيّ تماماً ممّا سمعته عن شخصه وسلوكه بشكلٍ عابر.

في تلك اللقاء العفويّ، تكونت لدي انطباعاتٌ شخصيّة غير حاضرة سابقاً، وشعرتُ أنّ الرجل مظلومٌ في بعض الأحكام الكليّة عنه، وأنّ أجزاء جميلة في ذاته وعقله مجهولة لدى كثيرين.

الرّجل ذكي جداً، ولم يتوصّل إلى كثيرٍ من أحلامهِ وأمنياتهِ إلا بذكاءٍ حاد – ما شاء الله عليه – ثم بعملٍ وجهدٍ كبيرٍ على نفسهِ. وهكذا كلّ الأحلام والمنى العظيمة، لابدّ لها من تخطيطٍ ذكيّ، وعمل دءوب.

وأيضاً لحظت في ثنايا لقائه ذاك، بساطته وسعة صدرهِ للناس، وقبول اختلافهم واختلاقهم عليهِ، وأنّه مسامحٌ لكلّ من أخطأ في حقه!

وأخيــراً: عجبتُ من قصّة ترويجِ كتابه: (ابنة السلطان) الذي جمع فيه خواطره وتغريداته، وأنه تجرأ أولاً باقتحام باب تأليف الكُتب، مع عدم شهرتهِ بالكتابة، ومضى في ذلك قُدماً باستغلالِ نصف الفرصة وهو وجود (الكتاب الجاهز) بنجاحِ تسويقهِ وبيعه، حيث يقول: اهتممتُ بموضوع تسويق الكتابِ بطريقتين، الأولى: في اختيارِ عنوان صادم وغير مألوف في جمع الخواطر(ابنة السلطان)، الثانية: بجعل الجماهير مساهمة في الدعاية للكتاب من خلال آلية النقد اللاذع لشخصه وكتابه، واستخدم الجماهير من خلال (يوزر وهمي في تويتر)، وقام بتصوير أجزاء ليست من الكتاب، على أنها جزء من الكتاب، ونجحَ في التسويق لكتابهِ بهذه الطريقة التي لا يقدر عليها شابّ في مثل عمره، واحتمل أذىً صنعه لنفسه من أجل بناء مجده.

المقصود من التدوينة ليس مدحاً في بدر، ولا الموافقة على أطروحاته الإعلاميّة ومنشوراته، ولا تزكيته. وإنّما كتابة لِبعض ثنايا لقاءٍ مُدهِش – بالنسبة لي على الأقل – في العمل على الذاتِ عملاً مستمراً، بصبر طويل، واحتمالٍ كبير؛ كي يبلغ المرء ذرَى النجَاح – بحسب تعاريف الناس المختلفة للنجاح – ، وأن النجاح ليس إلا استغلالاً لأنصافِ الفرص، وأجزاء الحُلول، وأبعاضِ التجارب.